كتبتُ هذا المقال في الصباح، فور رؤيتي لوجه جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي، متصدرًا خبرًا صحفيًا يتحدث فيه عن خيبة أمله الشديدة في الفلسطينيين لتفويتهم فرصة تاريخية بعدم قبولهم ما يسمى، بلا سبب واضح أو مقنع، “صفقة القرن “…
جاريد كوشنر وحضوره مُلهم للتعبير الفكري الحر الغاضب، فهو الرأسمالي الأمريكي الأبيض، الصهيوني، الفاسد، البرجوازي، المدلل، المتغطرس. ملامحه شديدة الاستفزاز والبرود في اَن واحد، ووجهه يذكرك بكاريكاتير شخصية الانتهازي في التراث السينيمائي، وفوق كل هذا هو إنسان وقح.
أحب في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفته وخفة ظله، من النادر جدًا أن يأتي التاريخ بزعيم لأكبر وأقوى دولة في العالم يتمتع بكل هذا القدر من الصراحة والوقاحة والخفة والمباشرة، محطمًا إرثًا كئيبًا من إدعاءات الصوابية اللغوية والتلاعب بالكلمات، ساخرًا من اللف والدوران وعبء الكذب الأيديولوجي، ومحررًا كل حلفائه من أي أزمة قد تسببها تناقض الفضائل مع المصالح.

لا يرى ترامب المنطقة إلا بعدستي المال والإرهاب. بالمال؛ نقضي على الإرهاب. وبالإرهاب؛ نسيطر على المال، بشرط أن تسيطر الولايات المتحدة في المقام الأخير على الاثنين، وكل من له شكوى في هذه البقعة التعيسة من العالم يمكن أن ننظر فيها بقيمة تعويضية ما، كل على بحسب وزنه.
ترامب هنا لا يفرض رؤيته على الآخرين، بل يتماهى مع ما يراه عنوانًا لوجودهم وحدودًا لحركتهم. فالمنطقة العربية لها ضلعان واحد يمتلىء بمال مشايخ النفط والآخر منتفخ بفقراء أمة سينفجرون في غضب أعمى إن عاجلًا أم أجلًا. ومهمته كزعيم للعالم أن يتعامل مع المتنافرين عبر مَن يستطيع القيام بالمهمة اليومية ويعرف تفاصيل هذا الجسد وندباته وأورامه، بحيث يكون الحضور الأمريكي حضورًا حاسمًا فقط في شكل قذائف جراحية لا تخطئ كتلك التي أنهت قاسم سليماني، أما المدير اليومي الموثوق للمهمات فهو إسرائيل وربما لأول مرة بشكل مباشر عبر تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
فلنعلن الحلف الآن
دعونا نفكك وضعًا يدّعي البعض تعقيده، في أواخر عام 2007 بدأت وسائل إعلام خليجية في شن حملة لحث الولايات المتحدة على العدوان الواسع على الجمهورية الإسلامية في إيران، وشاركت إسرائيل دول الخليج نفس الحماس ولكن، بحذر وتعقل، وحددت المشروع النووي الإيراني كعنوان للصراع.
أتى ذلك الحماس الخليجي الإسرائيلي في أعقاب حرب الوكالة التي دارت بين إيران والولايات المتحدة التي كان موضوعها هو العراق ومسرحها لبنان بين حزب الله وإسرائيل، والتي اعتبرتها إسرائيل إهانة تكتيكية كونها توريطًا عسكريًا مفاجئًا لها ترتب عليه ظهور حزب الله بمظهر الند العسكري، وبشكل أظهر أن مواجهة إسرائيلية مع إيران أصبحت أمرًا قد لا يمكن تجنبه.
لكن التصعيد الإسرائيلي الخليجي هذا رافق تغييرًا دراماتيكيًا في السياسة الأمريكية مع مغادرة إدارة جورج بوش البيت الأبيض ومجيء الديمقراطيين، الذين قرروا إتباع سياسة الفوضى الخلّاقة الناتجة عن الإنسحاب، وليست تلك الناتجة عن التدخل، كما فعل المحافظون الجدد في عهد بوش الابن.

قرر الديمقراطيون تنفيذ سياسات أميل إلى إعادة الانتشار ذات الطابع الانسحابي من المنطقة بعد إدراكهم أن أمريكا فشلت فشلًا تامًا في جعل العراق نموذجًا ملهمًا للمنطقة بعد الغزو، وأن الحصاد المر لتجربتهم هو تسليم العراق موضوعيًا للسيطرة الإيرانية، وهو تغيير استراتيجي كبير في المنطقة يترتب عليه إعادة ترتيب كل تحالفاتها بالمجمل، لأن البعض ينسى أن العراق وقت أن كان كيانًا سياسيًا مستقلًا مثّل البوابة الشرقية للمشرق العربي، والثقل الاستراتيجي الثاني بعد مصر.
من هذا المأزق الاستراتيجي الجديد لدول الخليج؛ أتت الدعوات المحمومة لدفع الولايات المتحدة نحو إضعاف إيران عسكريًا أسوة بخراب العمران الذي أتى على العراق، لكن موجات الإلحاح الخليجي أتت في غير موعدها بالنسبة إلى الأمريكيين، الذين راحوا يصيغون تصورًا أصبح أكثر وضوحًا في عهد ترامب، يقول بأن تعتمد مشايخ الخليج على نفسها إذا أرادت التصعيد مع إيران، أو تعتمد على دعم حليف مشترك لأن الولايات المتحدة لن تعبر النهر مرتين، وعليه فلتختار مشايخ الخليج حليفًا أمريكيًا من المنطقة يساعدها في تلك المهمة والمرشحون هم موضوعيًا مصر أو إسرائيل أو الاثنين معًا.
الفكرة القديمة التي تم تجريبها باستقدام الخليج للأمريكيين كجيوش انكشارية مدفوعة الأجر لم تعد مقبولة للأمريكيين أنفسهم، فلم يعد الحضور الأمريكي المباشر في المنطقة مغريًا كما كان، وتستطيع أمريكا الآن انتزاع المال الخليجي بصفقات سلاح ترليونية أشبه بجزية القرون الوسطى.
جاءت ثورات الربيع العربي المغدورة لتزيد الطين بلة على رؤوس مشايخ النفط، وقد أعلنت في وضوح تهديدها لتلك العروش إذا تمكنت من الانتصار في مساعيها التحررية والجمهورية، وهو ما طرح أسئلة وجودية وبحق على أغنياء النفط والغاز وربما لأول مرة، فراحوا يواجهون الثورات بالعداء الصريح السافر كما فعلت الإمارات، أو بالتآمر الملتوي والتفجير من الداخل كما فعلت السعودية وقطر، وفي حين كانت مصر في زمن ما قبل الربيع العربي جزءًا من حل المشكلات أصبحت بعده عنوانًا للأزمة، مما جعل تحولات قوى الخريف العربي أكثر وضوحًا وصراحة نحو إقامة صلات أكثر متانة واستراتيجية مع إسرائيل وبحماس ربما يفوق حماس الإسرائيلين أنفسهم.
ما يسمى بصفقة القرن إذن هو موضوع لإعلان الشراكة الاسترتيجية الخليجية الإسرائيلية وليس لحل المسألة الفلسطينية التي لا يملك أحد من تلك الأطراف العربية ما يقدمه لها إلا حفنة من الأموال، لذا وبالرغم من غرابة المشهد نجد الأمريكيين والإسرائيلين والإمارتيين والبحرينيين يتحدثون بحماس عن صفقة سياسية يُعلن الفلسطينيون والأردنيون رفضهم لها، الأمر إذن لا علاقة له بالفلسطينيين بل بترتيبات يظنها مشايخ الخليج واجبة الإتمام قبل الدخول الجاد والمعلن في الحلف النفطي الإسرائيلي.
إسرائيل وقد تحولت إلى نموذج
كان الأثر التدريجي للهزائم المتعاقبة للعرب أمام إسرائيل هو اعتمادها كنموذج، إعجابًا أو انبطاحًا، بشكل واع أو غير واع. فهي نموذج للعسكرة الأمنية الناجحة عند شريحة، ونموذج للدولة الدينية العصرية عند شريحة أخرى، وأحيانًا نموذج للديمقراطية لدى شريحة ثالثة أيضًا.
بتتابع انتصاراتها أصبحت إسرائيل على وشك خلق المنطقة على شاكلتها، فلقد غادرتنا الإمبرياليات وتركت لنا إسرائيل كنتوء صغير يهزمنا في كل محطة. وبتداعي الهزائم ودون أن نعي أصبحت إسرئيل نموذجًا للحكام، ونموذجًا للإسلاميين، ونموذجًا للتنويريين، ونموذجًا لمشيخات الخليج الغنية، في عقولهم الباطنة وحواراتهم المغلقة جدًا.
بالنسبة إلى أنظمة الدولة العربية المعاصرة فإن إسرائيل نموذج في إحكام الجيش والمؤسسات الأمنية على البلاد بكفاءة وفاعلية، تسمح بوجود حياة سياسية ديمقراطية منضبطة في ظل تلك الهيمنة، وبالنسبة للتيارات الأصولية فإسرائيل هي نموذج الدولة العصرية التي تتخذ من الدين إطارًا مرجعيًا مشتركًا لمواطنيها وحماسة اجتماعهم المشترك، وبالنسبة إلى مَن يتم تسميتهم بالليبراليين العرب فإسرائيل تمتلك مجالًا لحرية الفكر والتعبير أكبر من أي بلد عربي آخر.
تتجلى إذن هزيمتنا من إسرائيل في أن ذلك المشروع الصهيوني، الكاره لنفسه وللآخر، صار وبالفعل نموذجًا للنجاح في هذه المنطقة بمنطق القياس على جواره، بعد أن أصبحت المسافة بين الشعور بذلك وإدراكه والإعلان عنه مسألة وقت ليس أكثر.



