Skip to content

عن تلك الاشتراكية ذلك المستقبل

Posted in الكتابات النظرية, ضد الفاشية, and هموم ثقافية

فتح فوز ظهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك بابًا ضيقًا جدًا اسمه الاشتراكية كإمكانية سياسية. هذا الباب لم يُفتح بسبب أن ممداني أو غيره الآن يمتلكون تصورات من أي نوع عن شيء اسمه الاشتراكية، كل ما في الأمر أنه صرّح بأنه اشتراكي بعد انتخابه عمدةً لعاصمة المال والأعمال في العالم، وهذا التصريح المجازي جدًا في حقيقته كان كافيًا جدًا لإثارة الهلع.

حسنًا، سأشتبك في هذا المقال مع “الهلع”، وسأراعي أنه هلع، وليس أفكارًا ولا طروحات. هلع هو في ذاته مثير للهلع، ومن هذا الموقع وجب عليّ تعيين مجموعة من الإيضاحات.

أولًا: موقع كاتب هذا المقال موقع سياسي، والهدف من المكتوب ليس إضافة معرفية إلى فلسفة علم بعينه. الموقف السياسي منحاز، ولن أطيل بشأن أن كل المواقف منحازة، إلا لو ادّعى أحد أن الإنسان علوه فوق كل المواقف لتصبح كلماته منتزعة من صدر الآلهة نفسها. أنا معكم هنا على هذه الأرض، أنحاز مع أو ضد، لذا وجب الإيضاح.

ثانيًا: إن من سيقرأ هذا المقال باللغة العربية هو في الأغلب ينتمي إلى عالم وحقبة طغت فيها الأمركة بكل مدلولاتها، التي سيّجت كل خيال وسجنته داخل ألواح من الصلب، ذلك الذي يشبه قواعد مباني نيويورك، عاصمة ممداني. وفي هذه الفترة الزمنية بالذات، أضحى هذا الصلب صدأً بالبروباجاندا والتهديدات الهرمجدونية، التي لا تبعث إلا على القنوط والشعور بالضآلة وقلة الحيلة.

لعدة عقود الآن ونحن نعيش في عالم معادٍ للأيديولوجيا، بصلف واستعلاء أبله، زاده بلهًا واستعلاءً أنه أضحى معاديًا للفلسفة والتفلسف من الأصل بوصفها لا علمية، عالم يستحق في مسيرته هذه أن يحكمه عدد من الحمقى تجاور أصابعهم الأزرار النووية.

معاداة الأيديولوجيا بوصفها أيديولوجيا ليست انحيازًا للعلم أو للحقيقة، ربما هذه هي دوافع البعض، لكنني أراها انحيازًا ضد الوجدان، ضد ما يجعل منا بشرًا. يخاف البعض الآن من الذكاء الاصطناعي كما خافوا في الماضي من العقل الإلكتروني، لا فارق في ظني سوى أن النزعة الضد وجدانية أضحت سائدة لدرجة أصبح التقدم مثيرًا للخوف أكثر من أي شعور آخر. نحن نحب ونكره وننحاز ونتقلب ونخاف ونستسلم ونموت، أولوياتنا مختلفة بحسب اختلاف نزعاتنا. منا من يقدم طاعة خالقه وعبوديته على أي معنى آخر للوجود، ومنا من يقدم سؤال التقدم على سؤال المساواة، ومنا من يفعل العكس بالضبط، عوضًا عن هؤلاء الذين يرون اللذة هي الدافع الوحيد، والجميع يعتبرون أولوياتهم هي الطريق إلى الحرية، وكل ما سبق نزوعات أيديولوجية ما.

والأيديولوجيا في هذه الكتابة هي الاشتراكية. بدأ الأمر منها في القرن العشرين، إما كحلم ووعد أو كتُهمة ووعيد، وبين هذا وذاك لم يكن هناك فعلًا شيء اسمه اشتراكية. هذا الشيء لم يوجد حتى الآن إلا باعتباره أحد الوعود النقيضة للرأسمالية، وفي هذه الفترة التاريخية بالذات، حيث تواجه الرأسمالية أزمات طورها المتأخر، أضحت التجارب السياسية التي تم تسميتها بالاشتراكية في القرن العشرين أحد أهم مبررات استمرار النظام الرأسمالي الحالي المتداعي.

قدّم كارل ماركس نقدًا مطولًا للإنتاج السلعي المعمم الذي يُطلق عليه أيضًا “الرأسمالية”، ومن حيث تحوله إلى نمط إنتاج مهيمن خلق معه علاقاته وقواه، ولا أعتقد أو أتخيل أن هناك نمطًا للإنتاج ينتهي لمجرد إرساء سلطة سياسية بعينها في لحظة زمنية بعينها.

لقد كانت مفارقة القرن العشرين أن الدول التي أعلنت نفسها اشتراكية كانت تلك الدول التي تطمح لاكتمال عملية النمو الرأسمالي فيها، وأن اشتراكيتها تلك كانت عملية تحفيز وتسريع لرسملتها على نحو أكثر تطورًا. هذه، وبمستويات مختلفة من التفاوت، هي قصة روسيا والصين.

وما أعرفه أيضًا أنه في عالم خاضع بالكامل لنمط الإنتاج الرأسمالي يظل هناك في مواقع مختلفة فيه مواريث إقطاعية، بل وعبودية أحيانًا، فتعميم نمط الإنتاج السلعي ليس معناه أن علاقات الإنتاج الرأسمالية بكل مشتملاتها السياسية والاجتماعية والرمزية قد صبّت خرسانتها في كل أساس على كوكب الأرض. بل على العكس، يرى كثير من الماركسيين أن الرأسمالية في عملية نموها في مواقع بعينها احتاجت للإبقاء على علاقات إنتاج قديمة في مواقع أخرى بشكل مرحلي، لحين إدماجها وفقًا لشروط لا تُخل بموازين تقسيم العمل الدولي بين مراكز وأطراف وإمبرياليات ومستعمرات.

وفي هذا التاريخ كله، لا أعتقد أنه كانت هناك علاقات إنتاج غير رأسمالية في لحظة من اللحظات، عوضًا عن أن نطمح إلى تسميتها نمطًا إنتاجيًا مغايرًا.

الاشتراكية حتى الآن هي في نظري طموح أيديولوجي مثلها مثل الليبرالية، كثير من المنتمين لها لديهم نزعات إتمامية، بمعنى إعلان تحققها ونفاذها وسيادة عالمها وانتهاء ما سبقه، وأنها جاءت لتتمم حياة البشر في فردوس الأرض. مرجع هذا في ظني ليس يوتوبية أو مثالية هذه الأيديولوجيات، فأنا أرى في ذلك سمة من سمات الأيديولوجيات الشابة، ابنة عالمها التي تريد أن تتجاوزه، تحرره وتتحرر منه في نفس الوقت.

في حين إننا لا نجد نفس الحال عند الدين والقومية اللذيْن ليسا في حاجة إلى الإعلان المستمر عن إتمام عالمهما، لأن عالميهما قد تما واكتملا بتمام الفعل، لذا فكلاهما مستعد للتعايش مع العوالم الجديدة في صيغة تجمع بين التوفيق والانسجام، باستثناء بعض المنتمين الذين يرون أن عملية الإتمام أبدية ومستمرة وحية ولا يمكنها أن تشارك أي خيال آخر، وهؤلاء هم أبناء أقصى اليمين في عالمنا، القومي والديني باختلاف تلاوينهم في كوكب الأرض كله.

ومثلما أعلن الأمريكيون موت التاريخ ونهايته بصيغ ودعاوى مختلفة في تسعينيات القرن العشرين، كان السوفييت يعلنون في ستينياته أنهم تجاوزوا المرحلة الاشتراكية وأنهم يعيشون ما أسموه “اشتراكية متطورة”، وأن تجربتهم أصبحت على موعد من اليوتوبيا الشيوعية في ثمانينيات القرن العشرين. كان المعسكران يتسابقان كعدّائي المسافات القصيرة في إتمام التاريخ بتجاربهما هما بالذات، وحين سقط واحد منهما أعلن الثاني انتصار نهايته هو.

بهذا المعنى السابق، كانت الاشتراكية “الشابة جدًا” في صورتها السوفييتية في عشرينيات القرن العشرين تسابق التاريخ في إعلان وجودها ثم سيادتها، مستخدمة في ذلك سحر الثورات ووقعها الأخاذ مع الكثير من الدعائية والإرادوية السياسية.

لقد اتحد البلاشفة جميعًا وهم يسحقون الباقين ودمروا تجربة السوفييتات الوليدة والتي استمرت حية وديمقراطية مباشرة حتى احتضارها خلال فترة تتفاوت التقديرات بشأنها بين بضعة شهور وبضع سنين قليلة. بعدها انقسم القادة بين فكرتين محوريتين: الأولى تدعو لثورة دائمة في العالم، ذلك لأن الرأسمالية لا يمكن القضاء عليها إلا بثورة عالمية كاملة شاملة، والفكرة الأخرى قالت بإمكانية الاشتراكية كنمط وعلاقات إنتاج في بلد واحد. وانتصر التيار الأخير بقيادة بوخارين وستالين، وأعلن أنه يؤسس فردوس اشتراكيته في الوطن السوفييتي.

أؤمن بالطبع أنه لا توجد إمكانية لفكرة اشتراكية في بلد واحد، ويرى الكثيرون أن هذه الفكرة ولدت فقط من داخل الطموح الطغياني للجناح الستاليني البوخاريني في البلاشفة الذي سعى للحفاظ على السلطة بأي وكل طريقة. لكن في جانب آخر من الأمر، كان هذا الطموح الأحمق يحمل بعضًا من أوجه الوجاهة بسبب امتلاك الاتحاد السوفييتي لكل الموارد الطبيعية المطلوبة لإنتاج كل شيء وأي شيء، فهذا البلد وحده امتلك ما بين 20 إلى 30% من ثروات العالم الطبيعية، و20% من موارد الطاقة من فحم وغاز ونفط، و25% من المعادن، و10% من الأراضي الزراعية، وحوالي 20% من المياه العذبة والغابات.

لذا أصبح السؤال في الاتحاد السوفيتى الستالينى وقتها هو سؤال الإنسان ، كيف نبنى الإنسان الجديد كي يمكن إعداده ليكون صالحا للمهمة ، فكانت المأساة .

أعلن الاتحاد السوفييتي ليس فقط أنه سلطة اشتراكية بل إنه مجتمع اشتراكي، بل راح يحدد المراحل الزمنية للانتقال نحو الشيوعية، فأعلن خروتشوف في بداية الستينيات أن الاتحاد السوفييتي دخل في مرحلة الاشتراكية المتطورة وأنه على موعد مع الشيوعية بعد عشرين عامًا.

على الجانب الآخر من الأطلنطي، ولأن دائمًا يكاد المريب أن يقول خذوني، ستجد الأمريكيين دائمًا يتهمون كل من لا يروق لهم بأنه نتاج لدعاية وبروباجندا. في الحقيقة، كان الأمريكيون ولا يزالون سادة البروباجندا وملوك العروض الشاملة الإبهار. وكانت البروباجندا الأمريكية ولا تزال هي سيدة العالم، بالرغم من انحطاط مستواها في السنين الأخيرة، إذ تحولت إلى عروض الرعب والهلع دون باقي التيمات الأخرى لمنتجات هوليوود وبرودواي.

تلقّف الأمريكيون الادعاء الاشتراكي من أصحابه وردّوه رصاصات في صدر الجميع، فصاروا يوسمون أي درجة من درجات رأسمالية الدولة مهما كانت مخففة بأنها اشتراكية وشيوعية، بل حتى مجرد محاولة الحكومات تنظيم عمل الرأسمالية بشكل لا يدفع السوق إلى الهاوية تم اعتباره في أكثر من محطة طغيانًا اشتراكيًا.

الأمر لن يبدأ بالاتحاد السوفييتي والصين وينتهي بأوباما وممداني، فلقد سبق وتم وصف الرئيس الأمريكي ليندون جونسون بأنه أول رئيس اشتراكي للولايات المتحدة لمجرد أنه قدّم برنامجًا إصلاحيًا واسعًا تحت مسمّى Great Society، ادّعى أنه يهدف إلى القضاء على الفقر والتمييز العرقي وتوسيع الحماية الاجتماعية، وكان شيئًا خجولًا بالطبع، ولكنه كان كافيًا جدًا لأن يصفه الزعيم الجمهوري باري غولدووتر بأنه يحوّل الحزب الديمقراطي إلى حزب اشتراكي.

يفصل بين أمريكا والصين محيط هادئ يغطي نصف الكرة الأرضية. وللصين علاقة خاصة بالتنين، لن نفهمها بالشكل الكافي، مثلما لن يحيط الكثيرون من خارجنا بدهاليز هواجسنا العربية عن الشرف والعار والثأر. الصين بشرقيتها الحذرة التي تتعامل مع الزمن كفاعل مستقل، عن من يُروى عن رئيس وزرائها والسياسي الرمز تشو إن لاي، أنه حين سُئل عما إذا كانت الثورة الفرنسية قد انتصرت بعد مرور قرنين، أجاب بأن الحكم على ذلك لا يزال مبكرًا. لكن الأرجح أن سوء فهم في الترجمة جعل عبارته – التي كانت في الأصل عن أحداث مايو 1968 – تُنسب إلى الثورة الفرنسية الكبرى.

لكن في كل الأحوال تتعامل الصين مع الرأسمالية بروح شبيهة، تملّصت سريعًا من النزعات الإتمامية السوفييتية وأعلنت إنها في طريقها الطويل نحو الاشتراكية، تارة تسميه الطريق الصيني نحو الاشتراكية وتارة تسميه الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وفي كل الأحوال هناك توافق خطابي على أن الصين ما زالت في المرحلة الأولى من الاشتراكية، وأن السوق والرأسمال الخاص جزء من “القوى المنتجة” التي يجب تطويرها قبل بلوغ مرحلة الاشتراكية المتقدمة.

تمتطي الصين الآن تنينًا اسمه الرأسمالية، لكنها حتى الآن على الأقل، تراه شريرًا. هنا يلعب الوجدان الأيديولوجي دورًا، فربما تكون الصين هي الأنجح رأسماليًا في اللحظة الراهنة، ولكن هناك خراجًا في المخ الصيني يؤلّب عليه حياته ويذكّره أنه يخوض تجربة هي كُرهًا له. يعلم باراك أوباما وأمثاله أنهم يركبون ثورًا هائجًا بقرون مدببة لكنهم يحبونه ويؤمنون به حتى لو تخبّطت دماؤهم بطعناته ، جي شين بينج ليس هكذا .

لكن من سخرية الأقدار أن أغبياء اليمين الغربي، وباقي المومياوات المحنطة داخل مقابر جدالات الحرب الباردة في القرن العشرين، وبينما هم يحذّرون من الصين الحمراء الشيوعية، لا يدركون أن الحزب الشيوعي الصيني، وهو يحاول امتطاء تنين الرأسمالية باسم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، يمكن، في لحظة أخرى، أن ينفث من تنينه نارًا قومية، إذا ما أوشك على الترجّل منه.

ففي أزمات مالية كبرى محتملة، قد يتحول الحزب الشيوعي إلى حزب قومي جديد ينتقم من العالم كله باسم إمبراطورية الشمس الحقيقية، يجيّش الناس ضد من يحاولون إذلال الصين مرة أخرى، ولربما يحرقون اليابان حرقًا سدادًا لفواتير الماضي. بحث سريع عن فيديوهات رقص الصينيين في الشوارع والبارات احتفالًا باغتيال شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني الأسبق، قد يعطيك إشارة خافتة.

وقتها، ستبحث أنت عما تبقى من الشيوعيين السابقين لتبحثوا معًا عما تبقى من عقل، وستسابق الزمن مع من تبقى من الرفاق من أجل تنظيم الطبقة العاملة الصينية في مواجهة المد اليميني القومي الصيني، هذه الطبقة التي تصنع بكدحها أغلب ما تستهلكه اليوم بينما أنت تنتظر يوم القيامة في كسل منعدم الهمة.

يقول ماركس ما معناه أن البخيل وهو يضحّي بشهوة الجسد مقابل كنز الذهب، فهو يتلحّف بإنجيل الزهد، باسم العمل الدؤوب والادخار والتملك والذين يشكّلون معًا ثالوث فضائله الأخلاقية وجوهر اقتصاده السياسي القائم على أن يبيع الكثير وينفق القليل. أما الآن فنحن شهود

 على الجشع وقد جنّ جنونه، يعبّأ الماء في زجاجات وقريبًا الهواء، ومن يعترض يُسمّى شيوعيًا؟

ظهور ممداني وهو يعلن اشتراكيته هو لا يعني إلا طموحًا شجاعًا لمواجهة هذا الطور من الرأسمالية، من داخله هو ومن عالمه، لهذا المستوى من الجشع الأبله ليس أكثر. أتناقش مع الكثير من الرفاق حول العالم ونتفق في تواضع شديد على أننا لا نعرف ما هي تلك الاشتراكية التي ستكون ومتى ستكون، لذا لا تخف أيها الغبي الهالع الأناني الذى ارتجفت من شاب يريد تثبيت سعر الإيجارات لفترة في مدينة سحقها الجشع .

دائمًا ما كانوا يحذّرون من الفيل الذي في الغرفة، لقد دهسنا فيل الغرفة بالفعل، والغرفة الآن تمتلئ بالأشلاء الممزقة وقد فاحت رائحة النشادر من تحللها، لهذا فعليك أن تخاف أيها الغبي الهالع الأناني.

أنا أيضًا خائف ولكنني لست خائفًا على التملك إذ يتسرب من قبضتي، فلقد تحررت منه، أنا خائف من أثمان التحول الباهظة في عالم يمتلئ بكل هذا العدد من الأغبياء الهالعين الأنانيين أمثالك.

اشترك فى القائمة البريدية

أقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيدا من المعلومات

2 Comments

  1. Anonymous

    I love this condensed blog, you said a lot in a concise manner, well done. I have a critical thought, your essay gives the impression that, Capitalism lacks rationality/reason, however, Socialism is the path of human reason. But on the same time, socialism is still a fantasy or Imagination. All the best

    09/11/2025
    |Reply
  2. Anonymous

    مقال عظيم ومفيد جدا

    10/11/2025
    |Reply

أترك تعليق